محمد بن أحمد الفاسي

22

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

ولما سعى له في الخطابة عند من له الكلام ، قال : إن كان يصلح لجميع الوظائف فيولاها ، فعرف بأهليته لذلك ، فأشار بولايته لجميع ذلك ، فتم ذلك . وكان ذا يد طولى في فنون من العلوم مع الذكاء المفرط والفصاحة والإجادة في التدريس والإفتاء والخطبة ، ووفور العقل والجلالة عند الخاصة والعامة . ومع ذلك فهو كثير التواضع مع الفقراء وأهل الخير ، مكرما لهم . وحصل له بذلك خير كثير ولأولاده . وكان كثير المروءة والمكارم ؛ لأنه كان يخدم الأعيان الواردين إلى مكة بما يليق بجلالهم ، وربما هادي بعضهم إلى بلده . وكان يديم البر لجماعة من أقاربه وغيرهم من أهل الخير . وكان يقوم بكلفة كثير ممن يسافر معه إلى الطائف وإن كثروا ، وتكرر ذلك منه مرات . وقام أيضا عمن سافر معه إلى المدينة النبوية بكثير من الكلف ، وآخر قدماته إليها في موسم سنة ثمانين وسبعمائة ، وجاور بها إلى أثناء السنة التي بعدها وخطب في بعض هذه المدة بالحرم النبوي ، وأم الناس به نيابة عن ولده خال قاضى الحرمين محب الدين النويري . وكان إذ ذاك قاضى المدينة وخطيبها وإمامها ، وقل أن اتفق ذلك لغيرهما ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . وتيسر لكل منهما ما لم يتيسر للآخر . فما تيسر للأب سعة الرزق عليه بأخرة ، بحيث أنه مات ولا دين عليه ، وهذه نعمة عظيمة ، سيما ببلاد الحجاز ، فقل أن اتفق ذلك فيه لرئيس ، وخلف تركة غير طائلة ، وهو جدى لأمى . توفى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رجب سنة ست وثمانين وسبعمائة ، وهو متوجه من الطائف إلى مكة ، فنقل إليها ، ودفن بالمعلاة بعد الصلاة عليه بالحرم الشريف . وكان يخيل له : أنه يموت في مرضه هذا ؛ لأن منجما بالشام أخبره بنيله رياسة بلده فنال ما سبق ، وبمبلغ سنه . فذكر قوله لما ابتدأ به المرض ، وحسب عمره فإذا هو موافق لقول المنجم ، فتم عليه الفناء المتحتم . أخبرني جدى لأمى قاضى القضاة كمال الدين أبو الفضل النويري إذنا ، وأخوه القاضي نور الدين علي بن أحمد سماعا غير مرة : أن المعظم عيسى بن المغيث عمر بن العادل أبى بكر بن الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب أخبرهما سماعا بالحرم